
حذر مقال بمجلة فورين بوليسي الأميركية من أن أعداء الديمقراطية السودانية يتربصون بها الدوائر، وأن الدولة التي نجح شعبها في الإطاحة بنظام “الطاغية”عمر البشير” تخوض الآن ملحمة من أجل تأمين الحرية”.
وجاء في المقال الذي كتبته الأستاذة المشاركة في كلية القانون بالجامعة الأميركية في واشنطن ريبيكا هاميلتون، أن نظام البشير الذي إستمر ثلاثين عاماً بدد موارد البلاد البشرية والمالية والطبيعية.
وأشارت إلى أن الحكومة الإنتقالية التي تولت زمام الأمور أُنيطت بها مهمة إرساء الأسس لسودان جديد يستند على ثلاث ركائز، هي: الحرية والسلام والعدالة. ولتحقيق ذلك، حددت الحكومة الإنتقالية 16 خطوة من بينها -على سبيل المثال- حل الأزمة الإقتصادية والحيلولة دون مزيد من تدهور الإقتصاد، وتفكيك بنية النظام البائد القائم على فكرة “التمكين”، وبناء دولة القانون والمؤسسات.
ووصفت هاميلتون، ذلك بالعمل “الجبار” حتى لو أكملت الحكومة الفترة الإنتقالية المحددة بثلاثة أعوام، مضيفة أن من غير الواضح تماماً أنها ستتمكن من إستكمالها.
وستحدد الشهور المقبلة على الأرجح ما إذا كانت الديمقراطية السودانية ستلقى حتفها حتى قبل أن تُولد.
وترى الأكاديمية الأميركية أن ثمة العديد من المهددات التي قد تحول دون بلوغ السودان مرحلة الإنتخابات الديمقراطية المزمع إجراؤها في عام 2022.
المؤتمر الوطني والدولة العميقة..
وتقول إن التهديد الأول يأتي من حزب المؤتمر الوطني وأنصاره، فقد سنت الحكومة الإنتقالية مؤخرا تشريعاً يقضي بحل الحزب، إلا أن إجازة ذلك القانون لا تعني أن أعضاء المؤتمر الوطني سيغادرون الساحة السياسية.
وعلى الرغم من أن أعضاء حزب المؤتمر الوطني ممنوعون من المشاركة في المجلس التشريعي الجديد، فلا يزال بإمكانهم فعل الشيء الكثير لتقويض الإصلاحات التي تسعى الحكومة الإنتقالية للقيام بها.
وساقت هاميلتون، أمثلة على ما تقول من انخراط أنصار المؤتمر الوطني في حملة من هذا القبيل عبر منابر المساجد ووسائل التواصل الإجتماعي، ويبدو أن هدفهم من ذلك حث الناس على تغيير مواقفهم من الحكومة الإنتقالية بإدعاء أن وزراءها عازمون على هدم الثقافة السودانية التقليدية بإقامة دولة علمانية تحترم حقوق الإنسان.
ثمة مثال آخر للتهديد المحدق بالحكومة الإنتقالية والذي تشكله “الدولة العميقة”: فعلى الرغم من أن العديد من الموظفين الحكوميين لا يكنون أي تعاطف مع حزب المؤتمر الوطني، فإن بعض هؤلاء سيعملون على عرقلة التغيير، بحسب كاتبة المقال.
إنتخابات مبكرة..
ومثال ثالث على التهديدات هو أن النخب السياسية القائمة ربما تدعو لإجراء إنتخابات مبكرة، وبموجب شروط التدابير الإنتقالية، لا يحق لأي من أعضاء الحكومة الإنتقالية أو مجلس السيادة خوض إنتخابات 2022، وهذا يعني أن أحزاب المعارضة الموجودة على الساحة -والتي تشكل بعضها قبل حقبة حكم البشير وأثناءها- لن تتمتع بسلطة مباشرة كبيرة خلال الفترة الإنتقالية.
ووفقا لكاتبة المقال، فإن الحكمة من تلك الشروط تكمن في أن الفترة الإنتقالية ستمنح جيل الشباب -الذي انخرط العديد منه في معترك السياسة إبان الثورة- فسحة من الزمن لإعداد حملته الإنتخابية، فإذا أقيمت الإنتخابات قبل الموعد المقرر لها، فإن ذلك سيصب في مصلحة الأحزاب السياسية القائمة التي ستخرج على الأرجح ظافرة بها.
ومما يزيد الطين بلة -برأي ريبيكا هاميلتون- أن الجيش وقوات الدعم السريع والأمن الداخلي جميعها لها ولاءات ومصالح وثقافات متضاربة، مما يفتح المجال واسعاً أمام إحتمال نشوب صراع بين الوحدات المختلفة في قطاع الأمن.
قوات الدعم السريع..
ووفق المقال، فإن أطرافا أجنبية -مثل الإمارات والسعودية والإتحاد الأوروبي- قدمت للسودان مساعدات مالية نظير “الخدمات” التي تسديها لها قوات الدعم السريع.
وتعمل عناصر “مليشيا” الدعم السريع مرتزقة في اليمن، كما أن الإتحاد الأوروبي يستخدمها أداة لمساعدته في التصدي لعمليات الإتجار بالبشر في السودان والدول المحيطة به، وفق تعبير مقال فورين بوليسي الذي نبّه إلى أن تلك العلاقة توقفت الآن.
وتزعم ريبيكا هاميلتون -وهي مؤلفة كتاب “النضال من أجل دارفور”- أن من الصعوبة بمكان إقتفاء أثر الأموال التي تدفقت إلى السودان في حقبة البشير، لكنها تشير تحديدا إلى “إنخراط” قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان حميدتي، في “عمليات تهريب غير مشروعة” تتراوح ما بين التنقيب عن الذهب (من مناجم دارفور التي يمتلكها حميدتي) وتجارة الأسلحة (التي تشتريها جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة)”.
وإلى أن يحين وقت التحقيق في تلك العمليات، فإن أي حكومة يقودها مدنيون لن تكون بمأمن من خطر الانقلاب عليها.
صراعات لم تحل..
ثم إن هناك صراعات لم تُحل بعد في مناطق طرفية من السودان، في إشارة من الكاتبة إلى إقاليم دارفور، وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وتعتبر الأستاذة الجامعية الأميركية أن التوصل إلى إتفاقيات سلام مع الجماعات المسلحة في تلك المناطق ضرورياً ليس لإستقرار البلاد فحسب، بل لتمكين الحكومة الإنتقالية من تحقيق هدف الثورة في بناء دولة تتسع لكل فئات الشعب السوداني.
وأشادت هاميلتون بقرار الحكومة الإنتقالية إرجاء تشكيل المجلس التشريعي إلى حين إبرام إتفاقيات السلام مع الجماعات المسلحة، حتى يتسنى لممثلي المناطق “المهمشة” المشاركة فيه. ووصفت القرار بالخطوة “الحكيمة” على المدى القصير، لكنها حذرت من أنه لا ينبغي تأجيل إنشاء المجلس التشريعي إلى أجل غير مسمى.
أما التهديد الأخير المتربص دائما فهو أن الشعب الذي صنع الثورة سيسحب دعمه للحكومة الإنتقالية إذا لم ير تحسناً ملموساً في معيشته اليومية، وهذا ما يجعل “التعافي الإقتصادي” في صدر أولويات الحكومة ضمن قائمة مكتظة من المسائل العاجلة.
وكما قال أحد قادة الإحتجاجات -ولم تذكر الكاتبة اسمه- فإن “الشعب أظهر شجاعة غير عادية، ومن ثم يتوقع نتائج غير عادية” من الحكومة.
التطهير الشامل..
وذكرت هاميلتون، أنه اتضح لها جلياً -إبان زيارتها الأخيرة للسودان- حجم التحدي الذي ينتظر الحكومة لتحقيق مبادئ الحرية والسلام والعدالة، بعد ثلاثين عاما من الحكم “الإستبدادي”.
وسيكون من اليسير على الحكومة الإنتقالية -بحسب تعبير المقال- أن تلبي تطلعات الكثيرين من أبناء الشعب السوداني الذين يتوقون لتطهير البلاد من كل الذين ارتبطوا بالنظام السابق “تطهيرا شاملا”.
غير أن الكاتبة تستدرك قائلة إن خطوة من هذا القبيل لا تعدو أن تكون إستمراراً لدوامة ظلت ملازمة للسودان منذ إستقلاله.
ومن المفارقات التي أوردتها ريبيكا هاميلتون، في مقالها وتظهر حجم الفساد الذي نخر جسد الدولة السودانية في ظل نظام عمر البشير، تلك التي وقفت عليها بنفسها أثناء زيارتها للخرطوم.
فقد ذكرت أنها التقت مدير عام مستشفى أم درمان التعليمي محمد الحاج حامد، بينما كان يقلب أوراقاً بحوزته، وتقول الأكاديمية الأميركية إن تلك الأوراق تسلط الضوء على بعض جوانب الفساد في المستشفى.
ونقلت عن حامد، قوله إن تلك المستندات كشفت كيف أن بعض العاملين المعينين سياسياً من قبل النظام السابق لإدارة المستشفى، كانوا يحولون الأموال التي كان ينبغي أن تذهب لعلاج المرضى إلى جيوب من يدينون بالولاء لحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك.
مثال على الفساد..
ومن بين ما أظهرته تلك المستندات أن ستة من صغار الأطباء في المستشفى المنتمين للحزب الحاكم كانوا يتقاضون راتبا قدره 340 دولارا أميركياً في الشهر، بينما كان نظراؤهم من غير أعضاء المؤتمر الوطني يتلقون رواتبهم بالجنيه السوداني بما يعادل أربعين دولارا فقط شهريا.
ولما كانت سبع دول -من بينها ليبيا ومصر وجنوب السودان- إلى جانب مجموعات إرهابية مثل بوكو حرام وحركة الشباب المجاهدين الصومالية، تقع إلى جوار السودان، فمن شأن ذلك أن ينبئ بسوء المنقلب الذي يحدق بمستقبل البلاد في حال أخفقت الإجراءات الا٢نتقالية.
على أن الكاتبة تعود فتقول إن من الخطأ افتراض أن ذلك الفشل لا مفر منه، فهناك مسار يقود البلاد إلى الأمام إذا ما انخرطت كل الأطراف التي تريد أن ترى سودانا ديمقراطيا ينبثق من الفترة الإنتقالية.
ولعل ذلك -بنظر هاميلتون- يتطلب الصبر على حكومة إنتقالية تخطو خطوتين إلى الأمام وثلاث خطوات إلى الخلف.
المصدر: فورين بوليسي