
تعتزم الولايات المتحدة والسودان تبادل السفراء بينهما، بعد إنقطاع دام 23 عاماً، بحسب تصريح وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، تزامن مع أول زيارة لرئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، إلى واشنطن.
وقد وصف بومبيو، في تغريدة هذا الإجراء بأنه “خطوة تاريخية من شأنها أن تعزز العلاقات الأمريكية السودانية”.
وظلت العلاقات الأمريكية السودانية طوال تاريخها تمر بفترات مد وجزر، وشد وجذب، وتترواح بين قطبي المواجهة والإحتواء. وقد وصلت إلى أسوأ مراحلها في تسعينيات القرن الماضي مع فرض الولايات المتحدة لعقوبات إقتصادية شاملة على الحكومة السودانية.
فما هو تاريخ العلاقات الأمريكية السودانية والمراحل التي مرت بها؟
إهتمام مبكر
يشير موقع الخارجية الأمريكية إلى أن العلاقات الدبلوماسية الأمريكية مع السودان بدأت في عام 1956 في أعقاب إعلان إستقلال السودان عن الإدارة المصرية البريطانية المشتركة.
بيد أن هذا التاريخ الرسمي سبقه تاريخ طويل من الإهتمام الأمريكي بالسودان إنعكس في صيغة محاولات تجارية وإستثمارية.
من بين هذه المبادرات المبكرة، ظهور إهتمام أمريكي بالإستثمار في الزراعة بالسودان عبر محاولة مستثمر أمريكي يدعى، لي هنت، الإسهام في تأسيس شركة السودان للزراعة التجريبية، عندما كانت السودان تخضع للحكم الثنائي.
كما شهدت الفترة نفسها زيارة الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، التي جاءت ضمن جولة قام بها في المستعمرات البريطانية في شرق أفريقيا مطلع عام 1910.
وفي أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، زاد الإهتمام الأمريكي بالسودان وزار عدد من الدبلوماسيين البلاد، من بينها زيارة وفد أمريكي ضم نائب مدير مكتب الشرق الأوسط في الخارجية الأمريكية والوزير المفوض في السفارة الأمريكية في القاهرة حينها.
كما أرسلت الولايات المتحدة في مارس 1954 مندوباً للمساهمة في الإشراف على أول إنتخابات في السودان.
وأدرجت الولايات المتحدة السودان ضمن برنامج المعونات الأمريكية في عام 1957، في أعقاب الأزمة الإقتصادية الشديدة التي شهدتها البلاد بعد إستقلالها في عام 1956 جراء الكساد الذي أصاب تصدير محصول القطن وانخفاض أسعاره، حيث وافقت الحكومة الإئتلافية (من حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي) برئاسة عبد الله خليل على قبول المعونة الأمريكية.
وكاد الخلاف بين الحزبين الرئيسين بشأن توقيع إتفاقية للتعاون الإقتصادي مع الولايات المتحدة أن يطيح بهذه الحكومة الائتلافية.
وقد زار نائب الرئيس الأمريكي حينها، ريتشارد نيكسون، السودان وأجرى محادثات مع المسؤولين فيه عندما كان في طريقه إلى غانا حينها.
حقبة الحرب الباردة
وبعد الإنقلاب العسكري الذي قاده الفريق إبراهيم عبود، في السودان في نوفمبر 1958، تعززت العلاقات بين البلدين، وقد زار عبود، الولايات المتحدة، وقدمت واشنطن معونات إقتصادية للسودان في الفترة بين 1958 إلى 1961 تقدر بأكثر من 50 مليون دولار، واحتلت مع ألمانيا موقع الصدارة في إقراضه بعد تراجع الدور البريطاني فيه.
وبعد الإطاحة بالحكم العسكري في السودان في إنتفاضة شعبية في عام 1964، توترت العلاقات بين البلدين إثر قيام متظاهرين بمهاجمة السفارة الأمريكية في الخرطوم.
وقد قطع السودان علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة في عام 1967 إثر اندلاع الحرب العربية – الإسرائيلية في الخامس من يونيو.
وظلت العلاقات متوترة بين البلدين في بداية الإنقلاب الذي قاده جعفر نميري، في مايو 1969، ففي مناخ الحرب الباردة كان الإنقلابيون أقرب إلى الإتحاد السوفياتي والكتلة الإشتراكية. بيد أن المحاولة الإنقلابية الفاشلة التي قادها الحزب الشيوعي السوداني في عام 1971، قادت إلى تحول جوهري من النميري نحو الولايات المتحدة.
فأعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1972، وبات السودان يحظى بدعم أمريكي سخي، إذ يشير موقع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “يو أس إيد” إلى أنها ظلت تحتفظ إلى أواخر الثمانينيات بأكبر بعثة لها في جنوب الصحراء الإفريقية هناك.
ويضيف أن ميزانية المساعدات المقدمة من الوكالة للسودان حتى عام 1984 توزعت على الأبواب التالية: 25 مليون دولار مساعدات تنموية و 50 مليون دولار لتمويل شراء منتجات زراعية و 120 مليون ضمن برنامج استيراد سلع.
ويوضح الموقع أن مساعدات الإغاثة زادت بشكل كبير جدا في عامي 1984- 85 استجابة لموجة الجفاف التي ضربت مناطق دارفور وكردفان.
ولم تتدهور العلاقات في تلك المرحلة على الرغم من عملية مقتل السفير الأمريكي، كليو أيه نول، ونائبه كيرتس مور، على أيدي مسلحي منظمة “أيلول الأسود” الفلسطينية في الهجوم على حفل للسفارة السعودية في الخرطوم في مارس 1973، وقد سحبت واشنطن سفيرها من الخرطوم في يونيو 1974 في أعقاب إطلاق سراح منفذي العملية.

وعلى الرغم من عودة السفير الأمريكي إلى الخرطوم في نوفمبر من العام نفسه، ظلت العلاقات باردة حتى مطلع عام 1976 عندما توسط نميري، لإطلاق سراح 10 رهائن أمريكيين اختطفهم متمردون إرتيريون في شمالي أثيوبيا، وقد أعادت واشنطن بعد ذلك مساعداتها الإقتصادية للسودان.
وبحسب موقع السفارة الأمريكية في الخرطوم كان السودان في تلك الفترة أكبر بلد متلقٍ للمساعدات التنموية والعسكرية في بلدان جنوب الصحراء الإفريقية.
عقوبات إقتصادية
وشهدت العلاقات بين البلدين فتورا خلال فترة الحكم الديمقراطي في السودان بعد عام 1985، لاسيما بعد التقارب بين الحكومة السودانية ونظام العقيد القذافي في ليبيا، إذ خفضت البعثة الدبلوماسية الأمريكية كادرها في الخرطوم، وتدهورات العلاقات بشكل مطرد في أبريل 1986 عندما قصفت الولايات المتحدة طرابلس الغرب، وإغتيال أحد موظفي السفارة الأمريكة في الخرطوم في أعقاب ذلك، الأمر الذي قاد إلى سحب الولايات المتحدة معظم موظفيها غير الأساسيين من السفارة لنحو ستة أشهر.
وفي أعقاب الإنقلاب العسكري الذي قادة عمر البشير، بالتعاون مع الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي، في عام 1989، علقت الولايات المتحدة مجمل مساعداتها للسودان.
وزاد تدهور العلاقات مطلع التسعينيات إثر دعم السودان لجماعات إسلامية متشددة وإعلان وقوفه مع العراق في غزوه للكويت ومعارضته للتدخل الأمريكي في المنطقة.

وفي عام 1993 صنفت الولايات المتحدة السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب وظل اسم السودان على هذه القائمة الأمريكية حتى يومنا هذا.
وعلقت واشنطن لاحقا عمل سفارتها في الخرطوم في عام 1996.
وفي عام 1997، أصدر الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، أمراً تنفيذياً بفرض عقوبات إقتصادية ومالية وتجارية شاملة على السودان أثرت كثيرا على الإقتصاد والبيئة الإستثمارية في السودان.
وفي أغسطس 1998 ،ضربت الولايات المتحدة بصواريخ كروز منشآت في العاصمة السودانية الخرطوم في أعقاب تفجير السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا.
وكان السفير الأمريكي توم كارني، غادر الخرطوم قبيل هذا القصف ولم يعد أي سفير أمريكي إليها منذ ذلك الوقت، إذ ظل التمثيل الدبلوماسي الأمريكي على مستوى القائم بالأعمال منذ ذلك الوقت.
تعاون في مكافحة الإرهاب
وسعت الخرطوم منذ مايو عام 2000 إلى تحسين علاقاتها مع واشنطن، وفتح حوار ثنائي معها في سياق جهود مكافحة الإرهاب، وبحسب موقع السفارة الأمريكية في الخرطوم، أبدى السودان تعاوناً جاداً في مكافحة الإرهاب الدولي لاسيما بعد هجمات سبتمبر 2001.
وتدخلت الولايات المتحدة في دفع مسار المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان التي انتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا بكينيا، والتي أنهت أكثر من عقدين من الحرب الأهلية في السودان ومهدت لاحقا للاستفتاء على انفصال جنوب السودان وقيام دولة جنوب السودان في عام 2011.
كما كان لتعقيدات الحرب بين الحكومة والميلشيات التي تدعمها وحركات التمرد المسلحة في دارفور أثرها أيضا على العلاقات بين البلدين، إذ فرضت واشنطن عقوبات جديدة على السودان في مايو عام 2007، شملت تجميد أصول مواطنين سودانيين ضالعين بارتكاب أعمال عنف في دارفور فضلا عن شركات تملكها أو تديرها الحكومة السودانية.
وقد استحدثت إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، في عام 2001 منصب مبعوث رئاسي خاص للسلام في السودان تولاه أكثر من دبلوماسي أمريكي، كما عين الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في عام 2009 الميجر جنرال جي سكوت غرايشن، مبعوثاً أمريكياً خاصاً للسودان.
وفي 19 أكتوبر الأول عام 2009، أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، الإستراتيجية الأمريكية الجديدة للتعامل مع السودان والتي قامت على ثلاثة أسس شملت إنهاء النزاعات وإنتهاكات حقوق الإنسان وعمليات الإبادة في دارفور، وتطبيق إتفاقية السلام الشامل بين الشمال والجنوب، والتأكد من أن السودان لن يوفر ملاذا آمنا للإرهابيين الدوليين.

أمريكا ترفع العقوبات عن السودان “لتشجيع مكافحة الإرهاب”
وفي مطلع يناير، أعلن الرئيس أوباما، قرار رفع العقوبات الإقتصادية المفروضة على السودان، على أن يبدأ العمل به بعد ستة أشهر، ويخضع لمراجعة سنوية.

وتحسنت العلاقات بين واشنطن والخرطوم منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير، في أبريل وتشكيل حكومة انتقالية مدنية في أغسطس.
وجاء إعلان وزير الخارجية الأمريكي عن قرب موعد تبادل السفراء مؤشرا على هذا التحسن الذي وصفه بالمستمر “مع عمل الحكومة الإنتقالية التي يقودها مدنيون على تنفيذ الإصلاحات الواسعة النطاق الواردة في الإتفاق السياسي والإعلان الدستوري”.

وبدوره قال حمدوك: “إن توطيد العلاقات الدبلوماسية الدولية يعتبر معلما هاما في خارطة التنمية. بعد إنقطاع دام 23 عاماً، من العظيم أن نشهد بدء عملية تبادل السفراء بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية. هذه خطوة مهمة نحو إعادة بناء السودان”.
ويأمل السودان أن ترفع الولايات المتحدة اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب قريبا، بيد أن مثل هذا الإجراء يحتاج إلى موافقة الكونغرس الأمريكي.
وكانت وكالة رويترز للأنباء نقلت عن مسؤول بالخارجية الأمريكية قوله الشهر الماضي إن واشنطن ربما ترفع السودان من القائمة وإن البلدين لم تعد تجمعهما علاقة عداء.