
ينتظر تجار السوق المركزي للخضراوات والفواكه في الخرطوم بحري شهر يناير من كل عام بشيء من الترقب، فمنذ ذهاب جنوب السودان بنحو 75% من إنتاج النفط، تعاد حسابات الربح والخسارة بناء على ميزانيات مضطربة للدولة.
ومع تصاعد معدلات التضخم إلى أكثر من 57% في الشهر الماضي، يستعد التجار لإعادة حساباتهم بناء على تكلفة جديدة لإنتاج الخضراوات ونقلها إذا ما ألغت الحكومة الإنتقالية دعم البنزين في موازنة 2020.
وبحسب تسريبات فإن الحكومة الجديدة تعتزم في أول موازنة مالية لها رفع دعمها للبنزين وإبقائه على الجازولين والقمح وغاز الطهي والدواء. ويقول التجار إن نقل الخضراوات يتم غالبا على متن سيارات نصف نقل تعمل بالبنزين.
ومنذ إنفصال جنوب السودان في يوليو 2011، جرب السودانيون مطلع كل عام حزما لرفع الدعم الحكومي عن السلع والخدمات، كان أقساها في سبتمبر 2013، وحينها سقط نحو مئتي قتيل في إحتياجات على الغلاء.

مقترحات الثوار
تجري اللجنة الإقتصادية في قوى الحرية والتغيير حالياً مناقشات مع الحكومة حول موجهات الميزانية الجديدة.
ويقول عادل خلف الله، نائب رئيس اللجنة إن المناقشات تركز على إبتداع حلول غير تقليدية تعتمد على الموارد المحلية، مثلما إبتدعت الثورة وسائلها وأساليبها.
ويشبه خلف الله الإعتماد على المانحين بالسراب لأن مؤتمر المانحين في أوسلو عام 2005 بعد إتفاقية السلام الشامل إلتزم للسودان بـ4.5 مليارات دولار، بينما ما تم دفعه لم يتعدّ 800 مليون دولار.
ومن بين الحلول التي تطرحها اللجنة، يشير خلف الله، إلى توفير وزارة المالية وبنك السودان المركزي للجوانب الإجرائية لتفعيل “دولار الكرامة”، وهي مبادرة تبناها مغتربون ومهاجرون.
ويؤكد أن هناك تسعة ملايين سوداني في الخارج منهم سبعة ملايين مغترب، تتراوح تحويلاتهم بين 7 إلى 13 مليار دولار عبر السوق الموازي بسبب فرق السعر بين السوق السوداء والسعر الرسمي لبنك السودان.
وينبه خلف الله، إلى أن هذه التحويلات في حدها الأدنى قادرة على توفير المطلوب لتصحيح الإقتصاد الكلي الذي أعلن عنه وزير المالية إبراهيم البدوي، ورئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، والذي يتراوح بين 5 و7 مليارات دولار.
بورصة الذهب
كما تطرح اللجنة الإقتصادية بورصة الذهب، وتوضح أن السودان ثالث دولة منتجة للمعدن النفيس في أفريقيا، لكن غالب الإنتاج يهرّب.
ويقول خلف الله، إن اللجنة نبهت الحكومة إلى أن بيانات بنك السودان أوردت أن الإنتاج السنوي للذهب يبلغ 147 طنا، لكن قرابة 104 أطنان يتم تهريبها، فضلاً عن أن الإنتاج الحقيقي هو ضعف المعلن بدليل أن الذهب السوداني الواصل إلى بورصة دبي يبلغ 267 طنا.
ويقترح أن تحدد الحكومة كمية المنتج بـ150 طنا، تصدر منها 100 طن، والباقي يوضع سنويا كإحتياطي في بنك السودان لتصحيح وضع الجنيه السوداني.

ويحذر خلف الله، من أن الإعتماد على الذهب كمورد وحيد للعملة الصعبة ينذر بحقبة الذهب على غرار حقبتي الإعتماد على القطن الطويل التيلة والنفط في وقت سابق.
محاصرة الفساد
وطلبت اللجنة -بحسب خلف الله- تعزيز تنافسية الإنتاج الزراعي الذي يحتاج إلى ما بين 1.8 و2.1 مليار دولار سنويا لتمويل زراعة 50 مليون فدان، بحيث يتم تقليص المساحة إلى ما بين 15 و20 مليون فدان بحزم تقنية تضمن إنتاجاً أكبر لمحاصيل تحددها الدولة وبتكلفة أقل.
ويؤكد أنه لا بد من ضبط الإنفاق الحكومي وتحقيق وحدة الخزانة والقرار الإقتصادي ومحاصرة الفساد والتجنيب وإلغاء الإعفاءات الجمركية التي بلغت -بإعتراف “النظام البائد”- 40% من إيرادات الموازنة.
وبشأن ضمانات وجود إرادة لدى الحكومة لإنفاذ الموجهات التي تناقشها اللجنة الإقتصادية لتحالف قوى الحرية والتغيير، يقول نائب رئيس اللجنة الإقتصادية إنهم يعتمدون على تعهدات أطلقها وزير المالية ورئيس الوزراء بمشاورة الشعب حول الموازنة.
خيارات خارجية
يقول المستشار في سوق الأوراق المالية طه حسين، إنه يصعب في أول موازنة للحكومة الجديدة المقارنة بموازنة 2019، لأنها كانت بلا معايير وإعتمدت على دعم نقدي في حدود مليار دولار.
ووفقا لحسين، فإن السعودية والإمارات وفرتا 500 مليون دولار، والكويت 200 مليون، وصندوق النقد العربي 300 مليون، إلى جانب دعم سلعي من السعودية والإمارات بقيمة 2.5 مليار دولار لتوفير الوقود والقمح والدواء.
وذكر حسين، أن أقرب موازنة للمقارنة ستكون ميزانية 2018، لأن العام السابق ونتيجة للدعم الخارجي كان العجز ضعيفا في حدود 1.3 مليار دولار (صادرات بملياري دولار وواردات بـ3.3 مليارات).
ويفضل المستشار المراهنة على دعم دول الخليج لأن الدول الأوروبية -بالتجربة- يصعب أن تدعم أنظمة غير منتخبة. ويرى أن اقتراض السودان من صندوق النقد الدولي سيواجه بالعقوبات الأميركية التي إعتبر تجديدها بعد الثورة “أمرا محبطا”.
ومن أبرز التحديات التي ستواجه موازنة 2020 رفع الأجور في القطاع العام إلى ما بين 8 و9 آلاف جنيه (177 و200 دولار)، وهو ما يرفع كتلة الأجور إلى 45 مليار جنيه سنوياً (مليار دولار).








